هشام جعيط
270
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
أن الفرس عبروا نهر باسوسيا وبلغوا شوميا التي تحدد موقعها بموقع دار الرزق المقبلة « 1 » . لعل هذا المكان مطابق لمركز إقامة بشرية ظهرت في الماضي أو في ذلك العصر ، خصوصا وأن اسم المكان هذا ( شوميا ) له مظهر سرياني أو آرامي محلي خاص بوادي الرافدين ، والشيء نفسه بالنسبة لباسوسيا في المرحلة السابقة كرأس جسر ؛ على أن كل هذه المعلومات لا تفيدنا كثيرا . وخلافا لذلك ، فما هو موح ومشحون بالإشارات وذكريات الماضي البعيد وأيضا بالاسقاطات الخاصة بالعصر العباسي الأول أي عصر سيف ، إنما هو موجود في جملة المعطيات الخام المتنوعة التي يقدمها سيف والطبري . وهي عبارة عن خليط من الأخبار المدونة في كل حال بصفة متماسكة كانت عناصرها أصلية فضلا عن الطابع الماضوي المقصود في الطوبوغرافيا المشار إليها . إن « السكون اليوم » « 2 » هو حي كندة ، أو قسم منه ، مما يعيد إلى الأذهان أن هذه العشيرة سبق لها أن اشتهرت بمسجدها وبحضورها « 3 » في قلب جنوب الكوفة . وإذا كان الفرس وقفوا حيث نشأت دار الرزق فيما بعد فلأن هذا المكان كان يقع في الاتجاه المعاكس تماما أي في قلب الشمال . هما نقطتان قصيتان . وسواء صح الأمر أم كان خاطئا ، فهي علامة دالة تريد أن تكون ناطقة مبسطة ؛ وبعد إمعان النظر في التفاصيل نجد أن « المشركين » قتلوا « فيما بين السكون اليوم وشاطىء الفرات ، ضفة البويب الشرقية » « 4 » . ولذا يظهر أن « شاطىء » الفرات ودار الرزق مترادفان عمليا ثم ما لبثت التدقيقات أن تراكمت ، فوصف البويب بأنه كان قناة لتصريف الفرات في العصر الساساني ، عند مد البحر ، ومغيض النهر الذي يصب في الجوف « 5 » . ولعل المعركة دارت على الشاطئ الشرقي من نهر البويب « بين السكون ومرهبة وبني سليم » . هذه ثلاث علامات « 6 » . ولعل موقع الكوفة عبرته قناة في اتجاه شمال - شرق - جنوب ( إن بني سليم كانوا حقا علامة يشار إليها باستمرار ) مع انحراف طفيف في اتجاه همدان ( مرهبة ) « 7 » . وقد انسدّت القناة أو أنها كانت في طريق الانسداد فهل كان هذا النهر بالذات ، أم أنه نهر آخر ذاك الذي سمي « نهر بني سليم اليوم » ؟ « 8 » كان هذا الخبر استطرادا تخلل الرواية . فحين
--> ( 1 ) الطبري ، ج 3 ، ص 465 . ( 2 ) المرجع نفسه ، ص 468 . ( 3 ) انظر لاحقا . ( 4 ) الطبري ، ج 3 ، ص 468 . ( 5 ) الطبري ، ج 3 ، ص 463 و 470 . ( 6 ) المرجع نفسه ، ج 3 ، ص 470 . ( 7 ) الهمداني ، كتاب الإكليل ، ج 10 ، ص 134 - 158 ؛ كحالة ، مرجع مذكور ، ص 1077 . ( 8 ) الطبري ، ج 3 ، ص 465 .